خاص ليبانوس-لارا عمرو
تولدين فتاةً في لبنان .. فترافقك حسب العادات والبيئة لعنة لا مفرّ منها! حقوق مهدورة هنا وهناك تبدأ من عدم قدرة المرأة حتّى السّاعة منح الجنسيّة لأطفالها، وغيرها من غياب للمساواة الاجتماعيّة وظلم وتمييز يظهران بشكل خاصّ في مشاكل الطلاق ورعاية الأطفال، إذ تُدير هذه القوانين محاكم دينيّة غالباً ما تنتهك حقوق المرأة.
وبغضّ النّظر عن تلك المسائل التي لا ينفكّ الرأي العام اللّبنانيّ، وخصوصاً المعنيّ منه بحقوق المرأة، عن المجاهرة بالحديث عنها منذ سنوات بدون أيّ جدوى، يأتي واقع أرقام ضحايا التحرّش ليصفع النساء صفعة إضافيّة ويجعل حياتهنّ أصعب بكثير: في العام 2020، بلغت جرائم الابتزاز والتحرّش الجنسي نسبة 184%!
شهادات حيّة لفتيات تعرّضن للتحرّش:
يكاد لا يمرّ يوم لا نسمع خلاله عن حادثة مأساويّة عاشتها امرأة في مكان ما، سواءً في وضح النهار أو حلاك اللّيل! وتؤكّد نساء كُثُر تعرّضهنّ لمواقف كهذه في الأماكن العامّة، كالملاهي اللّيليّة وسيّارات الأجرة، وحتّى الطرقات!
"ل.ع" تروي لـ"ليبانوس"، حادثة تعرّضت لها في وسائل النقل العام أثناء ذهابها للجامعة: "قصدت صباحاً حافلة النقل المشترك كالمعتاد، ولكنّ لا شيء كان معتاداً ذلك النهار إذ جلس بجانبي رجل عازم على التحرّش بفتاة في الـ17 من عمرها! اخترق يومها ذلك الغريب مساحتي الشخصيّة وحُرمة جسدي متحسّساً إيّاه وواضعاً يديه في مناطق لا تخصّه. من شدّة خوفي من الموقف ومن ما قد يحمله "رأي الآخرين" عن الحادثة، لم أتفوّه بكلمة واحدة: طلبت من السّائق التوقّف، نزلت من الحافلة، وأكملت طريقي نحو الجامعة وأنا أرتجف، بينما أكمل المتحرّش حياته وكأنّ شيئاً لم يكُن!".
أمّا "ه.غ"، فقد روت لنا بغضب قصّة أخرى عاشتها في طريقها إلى الجامعة أيضاً: "في العاشرة صباحاً، وأنا في طريقي نحو الصفّ، قام رجل في الخمسين من عمره تقريباً، بالتحرّش لفظياً بي. سارعت إلى الصّفّ وحاولت أن أنسى ما حصل. وعند خروجي من الجامعة وتوجّهي نحو المنزل، وجدته منتظراً على جانب الطريق، مختبئاً خلف حافلة، مخرجاً عضوه الذكريّ من بنطاله أمام مرأى عينَي! قرّرت عندها أن أحرّك ساكناً، فتوجّهت نحو عناصر من الجيش يقعون على مسافة قريبة منه، وأخبرتهم عمّا حصل. وعندما لاحظ المتحرّش ما أقوم به، فرّ هارباً. لا زالت هذه القصّة تدبّ الرعب في قلبي حتّى اللّحظة، وأنا متأكّدة أنّ المتحرّش سيعاود فعلته مرّات كثيرة أخرى".
"ف.ر" ضحيّة أخرى تلت على مسامعنا قصّتها بغصّة: "كنت طفلة صغيرة, بالكاد أبلغ العاشرة من عمري، عندما تعرّضت لجريمة بحقّ طفولتي!". لم يخجل عمّال كبار في السّن في السّوق من التقرّب من طفلة صغيرة ومحاولة تحسّس مناطقها الحسّاسة!... تابعت الضحيّة ساردةً: "هرعت يومها لحضن أمّي، التي كانت تتجوّل على مقربة منّي، وأخبرتها بما حصل. مرّت عدّة سنوات على الحادثة، ولكن لم تستطع أن تُمحي تلك المأساة من ذاكرتي".
في مجتمعنا: الاغتصاب ممنوع ...التحرّش مسموح!
فتيات ونساء من مختلف المناطق يعشن هذه اللّحظات يومياً، فلا يردع المتحرّش عمر أو طائفة أو لون! وللأسف، لا يزال الكثيرون يعتبرون أنّ التحرّش "قضيّة بسيطة" ما لم تتطوّر إلى اغتصاب فعليّ، فيقلّلون بذلك من جديّة وخطورة مواقف عاشتها نساء وفتيات وقاصرات في مختلف أنحاء العالم! وبالرّغم من إقرار "قانون تجريم التحرّش الجنسي وتأهيل ضحاياه" في 21 كانون الأوّل 2020 في لبنان، أكّدت "هيومن رايتس ووتش" أنّه لا يستوفي المعايير الدوليّة، حيث يكتفي بتناول التحرّش الجنسي كجريمة، ويتجاهل التدابير الوقائيّة، وإصلاحات قانون العمل، وسبل الانتصاف المدنيّ.
تأثير التحرّش على نفسيّة الضحيّة
ومن جهّتها، تؤكّد دراسات علم النّفس أنّ للتحرّش تأثير نفسيّ على الضحيّة: يبدأ من الشعور بالخزي والإثم والعجز، ويتعدّى ذلك ليتحوّل إلى عائق يشلّ حياتها من جوانب عديدة: الدراسيّة، المهنيّة، العاطفيّة، وغيرها... بل وقد تطوّر الضحيّة خوفاً من العالم الخارجيّ يدفعها إلى عدم الرّغبة في مغادرة المنزل من جديد.
يمكن للتحرّش الجنسيّ على اختلاف أنواعه أن يخلق دوّامة من الصدمات لدى ضحيّته، ويوقعها في شباك "اضطراب ما بعد الصّدمة". والجدير بالذكر هو أنّه لا يُمكن محو هذه الندبات النفسيّة بسهولة.
المشكلة بالعقليّة ليس بالثياب!
والحلّ؟! القضاء على الوصمة السلبيّة التي تُرافق هذه الحالات، وأوّلها التخلّص من عقليّة "لباس" المرأة الذي لا دخل له لا من قريب ولا من بعيد بتعرّضها للتحرّش، ومحو فكرة "التابو" المتعلّقة بهذه المسائل، لأنّ "العار" أو"العيب" لا يقع على عاتق الضحيّة، بل على المتحرّش وحده! وعلى الرغم من أنّ الكثير من الضحايا يفضّلن الصّمت، وهو أمر مفهوم تماماً نظراً لما تعرّضن له من صدمة تحمل تأثيرات عديدة، ندعو كل ضحيّة إلى الخروج عن صمتها متى أصبحت مستعدّة وفضح المتحرّش أمام العلن. والأهم من ذلك، ينبغي تأمين الحماية اللّازمة للضحايا، إذ غالباً ما ينتهي بهنّ الأمر بالاستدعاء إلى المحاكم بقضايا "قدح وذم"، فأين المنطق من ذلك؟
الوضع يُختصر بجملة واحدة: الضحيّة في لبنان خائفة ومكبّلة بقيود آراء وتعليقات مجتمع متخلّف، والمتحرّش حرّ طليق، يسرح ويمرح بضحايا أخريات... متى الخلاص؟