
ماري-جوزيه السّاحلاني
تعيش إيران حالة من التّوتّر في ظل أسبوع حافل بالاحتجاجات الشّعبيّة، تزامنًا مع تهديدات أميركيّة مباشرة، وتطوّرات إقليميّة ودوليّة متسارعة وضعت أمن النّظام الإيراني في قلب الخطر.
وبحسب صحيفة نيويورك تايمز فإنّ طهران تتصرّف وفق ما وصفه مسؤولون إيرانيون ب"وضع البقاء"، ويبقى الترقّب سيّد الموقف وسط مخاوف متزايدة من أن تستغل إسرائيل الإضطرابات الدّاخليّة لتنفيذ هجوم عسكري.
تصريحات أميركيّة تشعل القلق...واستنفار أمني في الدّاخل الإيراني
ووفق التّقرير، إنّ تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، التّي جاءت عقب العمليّة الأميركيّة في فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو، أدّت إلى تصاعد التّوتّر إذ قال إن "دولًا أخرى يجب أن تستوعب الرسالة". هذه التّعابير اعتبرتها طهران كرسالة تهديد مباشرة لها.
وكشفت نيويورك تايمز، أنّ المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني عقد الأسبوع الماضي، اجتماعًا طارئًا بعد تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتدخل لمساعدة المحتجّين.
وأشارت ثلاثة مصادر إيرانيّة مطّلعة على مجريات النّقاش إلى أنّ الإجتماع ناقش سبل احتواء الاحتجاجات بأقل قدر ممكن من العنف لتفادي تأجيج الغضب الشعبي، بالتوازي مع الاستعداد لاحتمال تعرّض البلاد لضربات عسكرية.
المعارضة الإيرانيّة في الواجهة...واجتماعات إسرائيلية مغلقة
في سياق متّصل، نقلت قناة إيران إنترناشيونال، التّي تعتبر في صف المعارضة، أن التّلفزيون الرّسمي الإيراني أعلن بدء الحرس الثّوري مناورات لإطلاق صواريخ واختبار منظومات دفاع جوي، في عدد من المدن بينها طهران وشيراز، في مؤشر لافت إلى رفع مستوى الجهوزية العسكرية.
تزامنًا، عقد الكابينيت الإسرائيلي المصغّر جلسة مطوّلة لأكثر من أربع ساعات برئاسة رئيس الحكومة بينيامين نتنياهو وحضور كبار قادة الأجهزة الأمنية، بينهم رئيس الأركان إيال زامير، ورئيس الشاباك دافيد زيني، ورئيس الموساد دادي برنيع، كذلك رئيس حركة “شاس” أرييه درعي. إذ بحثوا الملف الإيراني إلى جانب باقي الجبهات ومن المتوقّع أن تُعقد إجتماعات أخرى في وقت لاحق.
بالعودة إلى الترقّب الإيراني، كشفت الصّحيفة الأميركيّة أنّ عددًا من المسؤولين أقرّوا في اجتماع مغلق بأنّ النّظام يفتقر إلى أدوات فعّالة لمعالجة الانهيار الاقتصادي المتسارع، بالتوازي مع تصاعد المخاطر الأمنية.
العد التّنازلي قد بدأ في ظل غياب الحلول
الرّئيس الإيراني "لا يملك حلول جاهزة للأزمات المتراكمة" هذا ما نقلته الصّحيفة عن الرّئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في أوّل ظهور علني له منذ اندلاع الاحتجاجات، كما شدّد على أنّ “أي سياسة غير عادلة في المجتمع محكوم عليها بالفشل، وعلينا أن نعترف بأننا بحاجة إلى الإصغاء إلى الشعب”.
كما تكشف المصادر نفسها عن تزايد القلق داخل أروقة النّظام الإيراني من أن تستغل إسرائيل الوضع الأمني غير المستقر لتوجيه ضربة للبلاد. خصوصًا في ظل التّهديدات المتزايدة من الرّئيس الأميركي دونالد ترامب وعدد من المسؤولين الإسرائيليين بينهم الوزيرة جيلا غمليئيل.
كذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت الذّي قام بنشر مقطع فيديو ظهر فيه وهو يقلب ساعةً رمليّة مرفقًا بعبارة: "حان الوقت".
وفي صباح اليوم الإثنين، نشر بينيت فيديو آخر يتضمّن عدًّا تنازليًّا ينتهي الليلة، وأرفقه بعبارة: "تيك تيك… الليلة".
وربط البعض هذه المقاطع بإشارة من بينيت إلى قرب بدء تنفيذ خطّةٍ إسرائيليّةٍ تهدف إلى تغيير الشرق الأوسط. هذا ما يفسّر أو حتّى يبرّر تزايد القلق الإيراني.
المرشد الأعلى علي خامنئي تحت المجهر
جاء موقف خامنئي أكثر صرامة إذ دعا في خطاب علني إلى “وضع مثيري الشغب عند حدّهم”، ومتّهمًا “أعداء خارجيين” بالوقوف خلف تدهور العملة والأزمة الاقتصادية، لكنّه في المقابل اعترف بحق تجّار طهران في الاحتجاج نتيجة التّقلّبات الحادّة في الأسعار. مقابل هذا التّصعيد الكلامي، هناك تسريبات استخباراتيّة نشرتها صحيفة the times البريطانيّة تشير إلى أنّ المرشد الأعلى للجمهوريّة الإسلاميّة "وضع خطّة الهروب الأخيرة" للخروج من طهران في حال فشلت القوات الإيرانية في ردع المتظاهرين أو بحال حدوث انقلاب.
تصعيد كلامي ومعركة وجود في مقابل الخطر الشّعبي...ماذا ينتظر المنطقة؟
إضافة إلى ذلك، كشفت صحيفة نيويورك تايمز، أنّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وصف الأزمة بأنها “معركة على بقاء نظام الجمهورية الإسلامية والأمة بأكملها” كما أشار إلى أنّ فرص التفاوض مع واشنطن معدومة حاليًا، وأن القرار في هذا الملف ليس بيده. جاء ذلك خلال اجتماع عقده عراقجي مع رؤساء وسائل إعلام مقرّبة من السلطة، بعيدًا عن الإعلام.
من جهته، صعّد رئيس أركان الجيش الإيراني عبد الرحيم موسوي في خطابه، إذ اعتبر أنّ “الولايات المتحدة وإسرائيل تعملان على خلق الفوضى في إيران عبر حرب ناعمة وضغوط اقتصادية”، متهمًا “عناصر مدرّبة” باستغلال الاحتجاجات لضرب الأمن الداخلي.
الجدير بالذّكر، أنّ هذه الاحتجاجات انطلقت قبل أسبوع، في بازيار وطهران، بسبب الانهيار المتسارع في قيمة العملة وارتفاع معدّلات التّضخّم. وبعد ذلك امتدّت الاحتجاجات لتشمل جامعات عدة في العاصمة ومدن أخرى.
وتشير تقارير متقاطعة أنّ الشّعب الإيراني يعاني من ضغوط معيشيّة خانقة، وأنّ الأزمة تفاقمت من أكثر من عقدين والسّبب الرّئيسي لذلك هو العقوبات التّي فرضت على إيران بسبب البرنامج النّووي.
في النّهاية يمكن القول أنّ الأحداث الأخيرة في إيران وغيرها من الدّول، بدأت ترسم ملامح تغييرات جديّة في المنطقة.
وبين ضغوط داخليّة وخارجيّة، أصبح النّظام الإيراني في قلب العاصفة وأي حسابات خاطئة قد تؤدّي إلى تصعيد كبير يضع إيران والمنطقة برمّتها على فوهة بركان.