
جان ماري توما-
المقاومة ليست محصورة بحمل السلاح فقط، بل هي كل فعل يرفض الاحتلال ويقف في وجه الظلم. كل فتاة أو امرأة اليوم تستطيع أن تقاوم بطريقتها، في مهنتها، من خلال الكلمة الصادقة، الصحافة، التعليم، أو دعم المجتمع والنازحين. كل أم، سواء كانت أم نازحة تحمي أبناءها من الحرب والدمار، أو أم شهيد أو امرأة شهيد تكمل طريقها وتربي على الكرامة وحبّ الأرض، فهي مقاومة بتعبها وتربيتها ونضالها اليومي.
لكن التاريخ اللبناني شهد أيضًا على نساء حملن السلاح بكل شجاعة، وخرجن لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي مباشرة. هؤلاء المقاومات لم يكتفين بالدفاع عن أرضهنّ، بل نفّذن عمليات ستظل محفورة في ذاكرة الجنوب اللبناني والعالم العربي، كنماذج للنضال والشجاعة التي لا تعرف حدودًا.
لولا عبود، شابة مسيحية من بلدة القرعون-البقاع الغربي ووالدتها من دير ميماس، انخرطت في جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول). شاركت في الهجوم على دورية إسرائيلية 21 نيسان عام 1985، واستشهدت بعمر 19 عامًا.
تُعتبر مثالًا للبطولة النسائية المسيحية في مواجهة الاحتلال، وأثبتت أن شجاعة المرأة اللبنانية لا تعرف حدودًا حتى بعمر صغير.
سناء، شيعيّة من عنقون صيدا، نشأت في بيئة ساهمت في تكوين شجاعتها وروحها الوطنية. أولَ فتاة فدائيّة تفجِّر نفسها في الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان. أصبحت رمزًا للنساء المقاومات في لبنان.
نفّذت عمليتها ضد موكب إسرائيلي في جنوب لبنان 9 نيسان عام 1985، وكان يبلغ عمرها حوالي 17 عامًا حين استشهدت. لقبها الناس بـ"عروس الجنوب"، وظلت بطولتها محفورة في ذاكرة أهل الجنوب.
سهى بشارة، مسيحية أرثوذكسية من دير ميماس في جنوب لبنان، ولدت في عام 1967 ونشأت في بيئة وطنية متأثرة بالاحتلال الإسرائيلي للجنوب. انخرطت منذ صغرها في النشاط السياسي ضمن الحزب الشيوعي اللبناني وجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمّول).

في 17 تشرين الثاني 1988، في عمر الـ21 عامًا، قامت بمحاولة اغتيال العميد أنطوان لحد، قائد ما كان يسمى بجيش لبنان الجنوبي الموالي لإسرائيل (جيش لحد)، داخل منزله، لكنها أُسرَت أثناء العملية ونقلت إلى معتقل الخيام حيث قضت حوالي 10 سنوات في ظروف قاسية ومعزولة، مع تعرضها للتعذيب الجسدي والنفسي.
أُفرج عنها في عام 1998، لتعيش بعد ذلك حياتها في أوروبا، حيث نشرت كتابها Résistance لتروي تجربتها وتضحياتها. سهى إحدى الشخصيات التي تتذكرها عندما نقول "مقاومة جنوبيّة".
هناك العديد من النساء اللبنانيات اللواتي لم يُعرف أسماؤهنّ إعلاميًا. كنًّ يساهمن في العمليات اللوجستية والدعم والميدان. قصصهنّ لم تُوثّق بالكامل، لكن بطولتهنّ لا تقل قيمة عن أي عملية مسلحة موثقة.
هذا المقال مُهدى لكل أم مقاومة اليوم في هذا الظرف الصعب، ولكل صحافية تغطي الجبهات، وفاءً لروح المقاومات اللبنانيات المحاربات اللواتي حملن السلاح وخلّدن أسماءهنّ في تاريخ المقاومة. كل مقاومة، مهما كان شكلها اليوم، هي امتداد للبطولة والصمود الذي أظهرته هذه النساء في تاريخ لبنان المقاوم.