
تتّجه الأنظار إلى انتخابات الكنيست الإسرائيلي، مع بدء فرز الأصوات وترقّب النتائج، وسط اهتمام بهوية رئيس الحكومة المقبل.
ويكتسب هذا الاستحقاق أهمية خاصة في لبنان والمنطقة، نظرًا لما للسياسة الإسرائيلية من انعكاسات على الأوضاع السياسية والأمنية، ما يجعل نتائج الانتخابات وتوازنات القوى داخل الكنيست محطّ اهتمام ومتابعة.
لكن، في خضمّ الترقّب لهوية رئيس الحكومة المقبل، تبرز نقطة أساسية، وهي أنّ المسألة لا تتعلّق بشخص بنيامين نتنياهو تحديدًا، بقدر ما ترتبط بالسياسة الإسرائيلية وأهدافها الأمنية.
فبغضّ النظر عمّن يتولّى رئاسة الحكومة، يبقى الحفاظ على أمن إسرائيل ومواجهة ما تصفه بالتهديدات، من أبرز أولوياتها، ما يعني أنّ التغيير في القيادة لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير جوهري في السياسات تجاه لبنان والمنطقة.
ويُعدّ كلّ من حزب الليكود، بزعامة بنيامين نتنياهو، وحزب «يشار»، بزعامة رئيس الأركان الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت، من أبرز القوى المتنافسة على قيادة الحكومة المقبلة، والأوفر حظًّا للحصول على أكبر عدد من المقاعد في الكنيست.
من رئيس أركان سابق إلى منافس لبنيامين نتنياهو على رئاسة الحكومة، يبرز اسم غادي آيزنكوت، الذي ينحدر من عائلة يهودية ذات أصول مغربية، وتولّى مناصب عسكرية بارزة، من بينها قيادة المنطقة الشمالية المسؤولة عن الجبهة اللبنانية والسورية تحديدًا في العام 2006 خلال حرب تموز مع لبنان.
ويرتبط اسم آيزنكوت بما يُعرف بـ"عقيدة الضاحية"، التّي تقوم على اعتماد مبدأ القوة غير المتكافئة أي الرد على أي هجوم صغير أو محدود، بضربة عسكرية هائلة.
واستهداف مقومات الحياة الأساسية من محطات الكهرباء، الطرق، الجسور، والمنازل بهدف الضغط على الحاضنة الشعبية بحسب رأيه.
ويهدف ذلك لخلق صدمة وردع طويل الأمد وإعادة السكان عقوداً إلى الوراء ليعزفوا عن دعم أو استضافة العمليات العسكرية ضد إسرائيل وفق اعتباره.
في ضوء هذه الخلفية العسكرية، يبرز السّؤال الأهم ما إذا كان وصول آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية سيؤدي إلى تغيير ملموس في التعامل مع لبنان، أم أنّ الاعتبارات الأمنية والعسكرية ستبقى العامل الأساسي في رسم السياسة الإسرائيلية.
فعلى الرّغم من الخلافات السياسية بين نتنياهو وآيزنكوت، لكن هذا لا يعني أنّ هناك تباين جوهري في المقاربة الأمنية تجاه لبنان والمنطقة.
كما نتنياهو كذلك آيزنكوت يطمح لإقامة منطقة أمنيّة في جنوب لبنان، ويرفض انسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب.
ففي الجوهر، يتّبع آيزنكوت سياسة التّشدد نفسها التّي اعتمدها نتنياهو طوال أعوام، هذا يعني أّن فعليًّا وعلى الرّغم من الخلاف والمنافسة الكبيرة بينهما، فإنّ سياستهما متشابهة إلى حدٍّ كبير.
ويعد كل ما سبق تأكيدًا على أنّه بحال تولي آيزنكوت رئاسة الحكومة الإسرائيلية، لن يكون تعامله مع لبنان أفضل من نتنياهو.
ومن هنا، إنّ تقييم السياسة الإسرائيلية المقبلة لا ينبغي أن يقتصر على هوية رئيس الحكومة، بل يجب أن يشمل التوجّهات الأمنية والعسكرية لحكومته، وطبيعة قراراتها على أرض الواقع، ومدى استمرارها في اعتماد القوة العسكرية الواسعة وسيلةً لتحقيق أهدافها.
وبالتالي، فإنّ تغيير القيادة السياسية في إسرائيل إن حصل، لا يضمن وحده تغييرًا في السياسات تجاه لبنان وفلسطين، ما يجعل التوجّهات الفعلية للحكومة المقبلة المعيار الأهم في تحديد طبيعة المرحلة القادمة.
بغضّ النظر عن هويّة رئيس الوزراء المقبل، سيبقى لبنان أمام خطر دائم بفعل وجود إسرائيل على حدوده، إذ إنّ السياسة الإسرائيلية، مهما اختلف قادتها، ستواصل الاعتماد على القوة والقتل والدمار الممنهج، تحت ذريعة مواجهة أيّ "تهديد لأمنها".