
جان ماري توما-
مرّة أخرى، الدولة بنوابها ووزرائها تضحك علينا بمسرحيّة الانتخابات! من البداية، بدا واضحًا ميل الأطراف للتمسّك بمواقفها وترك الأمور حتى اللحظة الأخيرة. وفي اللحظة الأخيرة تحديدًا، عاد وزير الداخلية ليسأل هيئة التشريع عن إمكانية إجراء الانتخابات وفق "الدائرة 16" للمغتربين، رغم إعلان الوزارة مرارًا جهوزيتها لإجراء الاستحقاق.
هنا يطرح السؤال: هل هذا العناد المتصلّب من الأطراف كان هدفه فعلًا ممارسة الضغط، أم أن التأجيل كان خيارًا من البداية ونحن اعتقدنا أنّهم يريدون "مصلحة المغتربين"؟
الداخلية هي المرجع الأساسي للإشراف على الانتخابات، ولكن تنظيم تصويت المغتربين عمليًا يقع على وزارة الخارجية والمغتربين. فهل بدأت التحضيرات في الخارج فعلًا، أم أنّ الخلاف السياسي أعاق التنفيذ، كون أصلًا وزير الخارجيّة له خطّ سياسي واضح.
من جهة أخرى، لم يظهر الخلل فقط في الحكومة، بل في البرلمان أيضًا، حيث شهدنا إلغاء جلسة تشريعية كانت مقررة لمناقشة تعديلات قانون الانتخاب، بعدما رفض رئيس مجلس النواب نبيه بري إدراج النقاش على جدول الأعمال، مما دفع نوابًا إلى الانسحاب احتجاجًا على هذا الإقصاء. وهؤلاء النواب، الذين يفضّلون أيضًا تعطيل الانتخابات الكاملة فقط لأنهم لا يريدون تنفيذ قانون نافذ، هم نفسهم في الحقيقة صوّتت أغلبيّتهم عليه، ومنهم القوات اللبنانية في عام 2017.
هذا التعنّد من الطرفين لا يبدو مجرد خلاف سياسي، بل يطرح مرة أخرى سؤالًا جوهريًا: هل كان الهدف منذ البداية تعطيل الانتخابات بدلًا من تنفيذها؟
عندما يصبح كل طرف متمسكًا بموقفه، ويُعاد طرح أسئلة حاسمة في آخر لحظة، يبدو الاستحقاق محكومًا بغياب الإرادة السياسية، وليس بعدم وضوح القانون.
ومرّة أخرى، دخل اللبنانيون في "معمعة" وسجال، ودافعوا عن نوابهم على أساس أنّ هؤلاء خائفون على المصلحة العامة، وفي الحقيقة: صحتين ضرب آخر من الدولة للّبنانيّين!
مثلما هو واضح، وكمشاهدة منطقية، لن تكون هناك انتخابات نيابية في أيار المقبل إلّا إذا انطبخت "طبخة" سياسية-دولية أخرى لمصالح أحزابنا واستمراريتهم في الخنق على أعناقنا!