
في الجنوب، لا تكفي قراءة أهمية أي موقع من خلال موقعه الجغرافي وحده، إذ ترتبط بعض المرتفعات بشبكة أوسع من المواقع والأنفاق التي تمتد تحت الأرض وتربط مناطق عدة ببعضها. وفي هذا السياق، تكتسب منطقة علي الطاهر أهمية خاصة، باعتبارها، وفق المعطيات الأمنية، جزءاً من منظومة تتجاوز حدودها المباشرة وتمتد نحو النبطية وشمال الليطاني والجغرافيا المحيطة بهما.

يكشف الباحث والمتخصص في شؤون الأمن القومي، العميد الركن المتقاعد يعرب صخر، لـLebanos أن أنفاق علي الطاهر تشكل شبكة عنكبوتية تربط المناطق بعضها ببعض، وتتصل ببقية الأنفاق في شمال الليطاني، مروراً بالظهرة والدبشة، وامتداداً نحو الزهراني وكفرتبنيت وكفررمان، ثم شرقاً وشمال شرق باتجاه إقليم التفاح ومرتفعات جزين وجبل الريحان.
ويشرح صخر أن أهمية هذه الشبكة لا تكمن في وجود الأنفاق وحدها، بل في طريقة اتصالها بالمناطق المحيطة، إذ تربط المواقع الأمامية بالمناطق الخلفية، وتؤمّن، وفق هذا التصور، مسارات للحركة والإمداد والقيادة.
وبحسب صخر، فإن إسرائيل، بعدما رسخت وجودها في جنوب الليطاني، تتجه في المرحلة التالية نحو شمال الليطاني وجواره، حيث ترى أن تفجير الأنفاق والسيطرة على مواقعها يمكن أن يضعف البنية اللوجستية والقيادية المرتبطة بالمنطقة.
ويقول إن البقعة الأمامية انتهت عملياً وفق هذا المسار، فيما تبقى البقعة اللوجستية والقيادية التي تمتد منها شبكة المواقع نحو إقليم التفاح وجزين وجبل الريحان ومناطق أخرى.
وبالتالي، تنتقل المواجهة، بحسب قراءته، من المواقع الأمامية إلى المساحة التي تؤمّن استمرار القدرة على الحركة والعمل، ما يجعل المرحلة المقبلة مرتبطة بمحاولة الوصول إلى العمق الذي تستند إليه هذه المنظومة.
ومن هنا يرى صخر أن أهمية علي الطاهر تتجاوز موقعها الجغرافي، إذ إن السيطرة عليها أو تدمير بنيتها التحتية قد تفتح أمام إسرائيل مساراً باتجاه شبكة أوسع من المواقع والأنفاق، مع تداعيات مباشرة على النبطية ومحيطها.
وتشير المعطيات الأمنية المتداولة إلى أن دخول المنطقة قد يرتبط بتفجير مساحة تقدر بنحو أربعة كيلومترات، الأمر الذي قد يؤدي إلى تدمير نطاق واسع وتغيير جزء من معالم الجغرافيا الجنوبية.
سياسياً، يربط صخر بين التطور الميداني ومسار التفاوض، إذ يرى أن استمرار التقدم نحو البقعة اللوجستية والقيادية يجعل الانتقال إلى جولة تفاوضية جديدة أكثر تعقيداً.
ويعتبر أن إسرائيل تسعى أولاً إلى تثبيت واقع ميداني جديد تستطيع البناء عليه في أي مسار سياسي لاحق، ولذلك فإن المرحلة المقبلة قد تحمل تصعيداً إضافياً خلال الفترة القريبة، خصوصاً إذا انتقلت العمليات من استهداف المواقع الأمامية إلى تفكيك شبكة العمق التي تربطها بشمال الليطاني وجواره.
وعليه، فإن تطور العمليات في محيط علي الطاهر لا يُقرأ، وفق صخر، بمعزل عن مسار أوسع يستهدف البنية اللوجستية والقيادية في عمق الجنوب، بما قد يفتح مرحلة مختلفة من المواجهة، تتجاوز خطوط الانتشار الأمامية إلى شبكة المواقع التي ترتبط بها في شمال الليطاني ومحيطه.