logo
logo
logo

الأخبار

من المتقدّم بريًّا في جنوب لبنان؟ حقائق وأرقام!

من المتقدّم بريًّا في جنوب لبنان؟ حقائق وأرقام!

بشرى جميل 

تتكشف صورة الميدان في جنوب لبنان بما يتناقض جذرياً مع الرواية الإسرائيلية التي تحاول تثبيت مشهد "السيطرة" عبر خرائط إعلامية لا تعكس الواقع الفعلي. فعلى الرغم من التصريحات المتكررة حول تحقيق تقدم ميداني، تشير الوقائع إلى انخراط القوات الإسرائيلية في نمط قتال استنزافي معقّد، نجح حزب الله في فرضه، مانعاً أي محاولة لتحويل التوغل العسكري إلى حالة احتلال مستقر أو سيطرة راسخة.

 

الطيبة نموذج للصمود الميداني

وقد برزت بلدتي الخيام والطيبة كأحد أبرز نماذج هذا المشهد، حيث شهدت مواجهات عنيفة عكست قدرة ميدانية على تعطيل التقدم الإسرائيلي وإرباك حساباته. هذه المواجهات لم تكن حدثاً معزولاً، بل جزءاً من نمط أوسع يؤكد أن خطوط الاشتباك لا تزال مفتوحة، وأن السيطرة المعلنة لا تتطابق مع الوقائع على الأرض. ولا بدّ هنا من الإشارة إلى أنّ حزب الله ينفّذ عملياته يوميًا تحت وطأة الضربات الجوية والمسيرات المستمرة في الجنوب، ما يبرز قدرتهم على الصمود واستمرار المواجهة.

وفي الحديث عن الإشتباكات جنوبًا، اعترفت إسرائيل بإطلاق أكثر من 700 صاروخ ومسيرة من لبنان، فيما ينفّذ حزب الله رشقات كثيفة جداً تصل أحياناً إلى مئات الصواريخ، ما يتسبب بخسائر يومية كبيرة في إسرائيل. هذا بالإضافة إلى تكبّد الدبابات الإسرائيلية خسائر يومية نتيجة العمليات الممنهجة للحزب. هذه الأرقام تعكس بوضوح أنّ ما يحدث ليس مجرد ردود فعل عشوائية، بل خطة مدروسة ينفّذها الحزب لتعزيز موقفه الميداني وإطالة أمد المواجهة.

 

القصف المكثف يكشف ضعف السيطرة

وتكشف طبيعة العمليات العسكرية الجارية هذا التناقض بوضوح؛ فاستمرار القصف المكثف على بلدات مثل مارون الراس وأطراف بنت جبيل، إلى جانب الغارات المتكرّرة على الخيام، يحمل دلالات عسكرية واضحة. إذ إن اللجوء إلى هذا النوع من النيران الكثيفة عادة ما يعكس غياب السيطرة الميدانية الكاملة، لا تثبيتها، ما يضع علامات استفهام حول دقة الرواية الإسرائيلية.


الخطاب السياسي تغيّر

هذا التعقيد الميداني انعكس بدوره على الخطاب السياسي في إسرائيل، حيث شهد تراجعاً تدريجياً في سقف الأهداف المعلنة. فبعد حديث عن عمليات واسعة النطاق، جرى تقليص الطموحات إلى "عملية محدودة". 

هذا وبالإضافة إلى إطلالات رئيس الحكومة الإسرائيلي بن يامين نتنياهو المتكرّرة والتبريرات المتتالية، فبغض النظر عن فكرة ردّه على شائعات وفاته، كان لافتًا خطابه الأخير "الإنساني" الذي توّجه فيه للإسرائيليين، بعيدًا عن النبرة الأمنية والعسكرية. ويعكس هذا التحوّل حجم الضغوط الناتجة عن كلفة المواجهة والخسائر المتراكمة، والضغوط التي تواجها السلطة الإسرائيلية في الداخل، في ظلّ رقابة مشددة تحدّ من انكشاف الصورة الكاملة. 

 

عمليات خارجية "إنتقامية" لصرف الأنظار!

وفي سياق متصل، جاء التبرير الأميركي الأخير للقصف الإسرائيلي الذي استهدف حقل "بارس" في إيران تحت ذريعة "الغضب الإسرائيلي"، ليكشف عن عمق المأزق الذي يعيشه الكيان. فالعجز عن تحقيق إنجاز استراتيجي حاسم في جنوب لبنان، وتصاعد كلفة المواجهة، دفع بإسرائيل نحو عمليات "انتقامية" خارجية لتنفيس الاحتقان الداخلي وصرف الأنظار عن نزيف الاستنزاف المستمر على تخوم القرى الجنوبية.

 

أمام هذا المشهد، يتضح أن المعركة لم تعد تُقاس بتقدم ميداني موضعي أو إعلان سياسي عابر، بل بقدرة كل طرف على الصمود وإدارة زمن المواجهة. ومع استمرار الاشتباك بوتيرته الحالية، تتكرس معادلة ميدانية تفرض واقعاً غير محسوم، حيث يبقى الحسم مؤجلاً، وتبقى الأرض محكومة بإيقاع مواجهة طويلة ومعقدة.