logo
logo
logo

مقالات

العشائر بين لبنان وسوريا.. "لبنان أولاً" أم التبعية لدمشق؟

العشائر بين لبنان وسوريا.. "لبنان أولاً" أم التبعية لدمشق؟

خاص ليبانوس-

حين تدخل الجغرافيا العشائرية على خط السياسة، تصبح الحدود بين العائلة والدولة أكثر حساسية، فالعشائر اللبنانية تحمل معها تاريخاً من الصلات الممتدة في أكثر من اتجاه عربي، غير أن هذا الامتداد لا يلغي موقعها داخل الدولة اللبنانية، ومن هنا تأتي قراءة رئيس تجمع "العشائر العربيّة"، الشيخ بدر عبيد، للعلاقة مع سوريا وللمسار السياسي الذي اختارته البيئة السنّية في لبنان، حيث يضع مسألة الانتماء الوطني في موقع متقدم، مع الإبقاء على الروابط التي صنعتها العائلة والتاريخ والجغرافيا.

 

سوريا حاضرة… لكن القرار لبناني

ويقول عبيد لموقع ليبانوس إن الرئيس السوري أحمد الشرع قدّم مشروعاً سياسياً وسردية سياسية تقومان على التنظيم وترتيب الأولويات ومنح البيئة السنّية فكرة مشروع سياسي واضح، فيما يرى أن العشائر العربية سعت إلى بناء شخصية معنوية مستقلة داخل الطائفة السنّية، بعيداً عن اختزال حضورها بشخصية دينية كالشيخ أحمد الأسير، على سبيل المثال.

 

امتداد عشائري يتجاوز الحدود

ويشير عبيد إلى أن العشائر في لبنان تمتلك شبكة علاقات واسعة مع المحيط العربي، خصوصاً على المستوى العشائري، تمتد من سوريا والأردن وصولاً إلى مصر وليبيا ودول الجزيرة العربية، وهي علاقات نشأت بفعل الروابط العائلية والاجتماعية والتاريخية التي تصل عشائر لبنان بمحيطها العربي، غير أن هذه الامتدادات لا تعني خروج العشائر عن الإطار اللبناني أو انتقالها نحو اصطفاف سياسي خارج الدولة اللبنانية.

 

"لبنان وطناً نهائياً"… الثابت السياسي

ويشدد على أن تجمع "العشائر العربية" في لبنان متمسكة بفكرة الدولة الوطنية وحدودها، وبالمرجعية الدستورية التي تحدد هوية لبنان وانتماءه، كما تتمسك بما ورد في اتفاق الطائف ومقدمة الدستور لجهة لبنان وطناً نهائياً لجميع أبنائه، عربياً في انتمائه وهويته، وهذه النقطة تشكل بالنسبة إليه أساساً سياسياً لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن علاقة العشائر اللبنانية بسوريا أو بأي دولة عربية أخرى.

ووفق عبيد، انتقلت البيئة الإسلامية في لبنان منذ سنوات من فكرة الارتباط بمفهوم الأمة الواسع نحو مقاربة أكثر التصاقاً بالدولة اللبنانية، وهو يرى أن التسوية التي قامت عليها الصيغة اللبنانية تدخل في صلب السردية السياسية للعشائر، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الروابط العائلية والعشائرية الممتدة داخل سوريا، حيث تشكل العشائر جزءاً أساسياً من النسيج الاجتماعي السوري.

 

سوريا والعشائر… علاقة تاريخية لا تلغي الدولة

ومن هنا يضع عبيد علاقة العشائر اللبنانية بسوريا ضمن إطار اجتماعي وعائلي وسياسي متداخل، مع الفصل بين هذه الروابط وبين القرار الوطني اللبناني، فكون العشائر تمتلك امتدادات خارج الحدود لا يعني انتقال ولائها السياسي إلى الإدارة السورية الممثلة بالرئيس أحمد الشرع أو إلى أي دولة أخرى، وإنما يعبر عن طبيعة مجتمع لبناني يحمل في داخله صلات تاريخية مع محيطه العربي، ويبحث في الوقت نفسه عن تثبيت موقعه داخل دولة واضحة الحدود والهوية والمرجعية.

 

لا موقف سنّياً موحّداً

ومن زاوية موقعنا وواقع البلد، قد يعكس هذا الطرح موقف عشيرة معينة أو مجموعة من العشائر، من دون أن يعني بالضرورة وجود موقف عشائري أو سنّي موحّد من العلاقة مع سوريا أو من موقع أحمد الشرع. فالعشائر اللبنانية ليست كتلة واحدة، وتختلف توجهاتها من عشيرة إلى أخرى تبعاً لتاريخها وروابطها العائلية والجغرافية وعلاقاتها مع المحيط العربي. فهناك عشائر ترتبط وجدانياً بالسعودية، وأخرى لها صلات وثيقة مع سوريا، فيما ترتبط عشائر أخرى بدول عربية مختلفة.

وهذا التباين لا يتوقف عند حدود العشيرة، بل قد يمتد إلى داخل العائلة الواحدة، وصولاً إلى اختلاف الموقف من شخص إلى آخر. لذلك، فإن الحديث عن موقف عشائري موحّد من سوريا أو أي دولة عربية أخرى يبقى تبسيطاً لمشهد أكثر تعقيداً، تتداخل فيه الهوية الوطنية مع الروابط العائلية والعشائرية والدينية والجغرافية.

وفي المقابل، لا يزال هناك أسخاص، ولا سيما في الشارع السنّي الطرابلسي، يتمنون العيش ضمن نطاق سوريا أو يرون في الارتباط بها امتداداً طبيعياً لهويتهم، وهو ما ظهر في استطلاع رأي أجريناه سابقاً.

وبالتالي، لا تبدو الساحة السنّية اللبنانية على موقف واحد في هذه المسألة، فبينما يرفع فريق شعار "لبنان أولاً" ويتمسك بالهوية الوطنية والدولة اللبنانية، يفضّل آخرون تغليب الروابط الدينية والجغرافية والتاريخية على الهوية الوطنية. ومن هنا، فإن العلاقة مع سوريا لا تختصر موقف البيئة السنّية اللبنانية، بل تكشف تعدد الاتجاهات داخلها، كما تكشف في الوقت نفسه عن اختلاف واضح بين العشائر والأفراد في نظرتهم إلى الهوية والانتماء وحدود العلاقة مع المحيط العربي.