logo
logo
logo

مقالات

جعجع يعلن أنّه المتحدّث باسم مسيحيي لبنان ويطلب طلبًا من أميركا!

جعجع يعلن أنّه المتحدّث باسم مسيحيي لبنان ويطلب طلبًا من أميركا!

جان ماري توما-

في رسالة وُجّهت إلى نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، أعلن رئيس حزب "القوات اللبنانية" أنّه يتحدّث من موقع يمثّل "الشريحة الأوسع من المسيحيين في لبنان"، معتبرًا أنّ موقفه يعكس صوتهم السياسي ومطالبهم في هذه المرحلة.

وشدّدت الرسالة على شكر الإدارة الأميركية لاهتمامها بالوجود المسيحي في لبنان، مؤكّدةً أنّ المسيحيين يشكّلون عنصر استقرار أساسيًا في بنية الدولة اللبنانية وهويتها التعددية.

وفي المضمون السياسي، دعا رئيس الحزب إلى فصل الملف اللبناني عن أي تسويات أو مفاوضات إقليمية أوسع، وإبعاد إيران كليًّا عن الملف اللبناني.

كما طلب من الولايات المتحدة دعم مؤسسات الدولة اللبنانية باعتبارها المرجعية الوحيدة، وحصر السلاح بيد الشرعية اللبنانية، معتبرًا أنّ ذلك يشكّل المدخل الأساسي لاستعادة السيادة وبناء دولة مستقرة.


سمير جعجع وازدواجيّة المعايير!

ففي حين يعتبر الخطاب السياسي الذي يطرحه رئيس الحزب أنّ لبنان يجب أن يُفصل عن أي مسار تفاوضي إيراني – أميركي، تشير وقائع المشهد العام إلى أنّ لبنان كان وما زال جزءًا من التوازنات الإقليمية المرتبطة بملفات كبرى، لا سيّما بعد وقف إطلاق النار الذي جاء ضمن تفاهمات دولية وإقليمية.

كما أنّ هذا الترابط ليس محلّ إنكار لدى العواصم المعنية، بما فيها واشنطن، التي تتعامل مع الملف اللبناني ضمن سياق إقليمي أوسع، وتعتبر أنّ وقف إطلاق النار في لبنان يشكّل أحد الشروط الإيرانية وأحد البنود الأساسية في الاتفاق. وفي المقابل، أبدت الدولة اللبنانية، على لسان رئيس الجمهورية، تأييدها للاتفاق، متمنيةً أن يشكّل خطوة إيجابية نحو تهدئة المنطقة.

مع العلم أيضًا أنّ جعجع يطالب بما لا يطبّقه هو وسائر الأحزاب اللبنانية أساسًا، إذ إنّ معظم القرارات اللبنانية التي صدرت عن هذه القوى لم تكن لتسير إلّا بموافقة أو حتى بطلب خليجي أو إيراني أو أميركي على مرّ السنوات.

وهو نفسه، في هذه الرسالة، يطلب تدخّلًا أميركيًا مباشرًا وقويًا، ويصف أميركا بالمرجعيّة بوقت يطلب إلغاء المرجعيات، ما يعني أنّه يدرك أنّ لبنان جزء من خريطة إقليمية، وأنّ هناك أوراق ضغط خارجية مؤثرة في مسار ملفاته السياسية الكبرى.


أن يكون لبنان سياديًا في قراراته هو تمنٍّ وطني ، لكن على من يطالب بذلك أن يلتزم به أولًا، وأن تدرك جميع الأطراف أنّ العلاقات بين الدول لا تُدار بالنوايا وحدها، بل بأوراق الضغط وموازين القوى.

 

سنقدّم لكم الرسالة كاملةً التي وجهها جعجع لفانس:

حضرة نائب رئيس الولايات المتحدة الأميركية المحترم
السيد جي دي فانس،

تحية طيبة وبعد،

اطّلعت باهتمام وتقدير على تصريحكم الذي عبّرتم فيه عن صداقتكم واهتمامكم بالمسيحيين في لبنان. وبصفتي رئيس حزب "القوات اللبنانية"، أكبر حزب مسيحي في لبنان، رأيت من المناسب أن أتوجّه إليكم بهذه الرسالة لأعبّر عن بالغ امتناني لكلماتكم، ولما تعكسه من صداقة صادقة واهتمام عميق بالمسيحيين في لبنان، وبالتالي بجميع اللبنانيين.

لقد شكّل المسيحيون اللبنانيون، على امتداد تاريخ لبنان الحديث، وسيستمرون في تشكيل، عنصر استقرار وانفتاح واعتدال وازدهار ثقافي وحضاري في هذا الشرق. وقد تميّز لبنان، بفضل تعدديته وحرياته العامة ونظامه المنفتح ودوره الثقافي والاقتصادي، بمكانة فريدة جعلت منه مساحة إشعاع في محيط مضطرب.

صحيح أنّ العقود الأربعة الماضية كانت من أصعب المراحل التي عاشها اللبنانيون عمومًا والمسيحيون خصوصًا، نتيجة نشوء "حزب الله" كتنظيم عسكري وأمني استولى على القرار الوطني، وأضعف المؤسسات الشرعية، ومنع قيام دولة فاعلة وقادرة، فضلًا عن إدخال لبنان في صراعات وحروب مرتبطة بأجندات إيرانية لا تمثّل مصالح اللبنانيين ولا تطلعاتهم. وقد انعكس ذلك سلبًا على الاقتصاد اللبناني، وقلّص فرص العمل، ودفع أعدادًا كبيرة من اللبنانيين، ومن بينهم نسبة كبيرة من المسيحيين، إلى الهجرة بحثًا عن الأمن والاستقرار وفرص العيش الكريم.

ومع ذلك، فإنّ المسيحيين الذين واجهوا عبر تاريخهم الطويل، قديمًا وحديثًا، تحديات ومحنًا أشدّ من هذه، استطاعوا دائمًا تجاوزها بفضل تمسّكهم بأرضهم، وإيمانهم بالحرية، وإصرارهم على البقاء في وطنهم والحفاظ على هويتهم الوطنية والحضارية. واليوم، كما بالأمس، لا يزالون ثابتين في إيمانهم وقناعاتهم، صامدين في مواجهة التحديات، ومصمّمين، إلى جانب سائر اللبنانيين، على استعادة دولتهم ومؤسساتهم وسيادتهم الكاملة، مستندين إلى دعم أصدقائهم في الشرق والغرب، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأميركية.

وفي هذا السياق، نعتقد أنّ أكبر مساهمة يمكن للولايات المتحدة الأميركية أن تقدّمها للبنان في هذه المرحلة الدقيقة تكمن في دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية باعتبارها المرجعية الوطنية الوحيدة، وحصر أي تفاوض أو مقاربة للملف اللبناني بالدولة اللبنانية وحدها، وإخراج إيران نهائيًا من الملف اللبناني، بما يساعد اللبنانيين على استعادة قرارهم الوطني بصورة نهائية ويمنع استمرار أي تدخلات خارجية في شؤونهم الداخلية.

كذلك، فإن دعم الدولة اللبنانية الحالية في بسط سلطتها الكاملة على جميع أراضيها، وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية وحدها، وإنهاء الوجود العسكري والأمني لـ"حزب الله"، يشكّل، من وجهة نظرنا، أكبر مساهمة يمكن تقديمها للمسيحيين في لبنان ولجميع اللبنانيين، لأنه يفتح الباب أمام بناء الدولة التي نتطلع إليها جميعًا: دولة فاعلة، ذات سيادة، حرّة وقوية، وقادرة على تأمين الأمن والاستقرار والازدهار لجميع مواطنيها.

واسمحوا لي في الختام أن أجدّد لكم، باسمي وباسم شريحة واسعة من اللبنانيين عمومًا، والمسيحيين خصوصًا، الذين يتطلعون إلى قيام دولة فاعلة وقادرة في وطنهم، أسمى آيات الشكر والتقدير على الصداقة والاهتمام اللذين أبديتموهما تجاه المسيحيين في لبنان، آملًا أن تبقى الولايات المتحدة الأميركية شريكًا أساسيًا في مساعدة لبنان على استعادة دوره الطبيعي كنموذج للحرية والتعددية والسلام في الشرق الأوسط.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير.