
خاص ليبانوس-
لم تكن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الرياض في السادس من تشرين الأول مجرّد محطة جديدة في مسار التقارب السوري السعودي. فاللقاء مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان جاء في توقيت إقليمي شديد الحساسية، مع تصاعد المواجهة في اليمن وتزايد الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية.
لكن ما الذي جرى بحثه فعلًا بين الشرع وبن سلمان؟ وهل طلبت الرياض من دمشق إرسال قوات سورية إلى اليمن؟ وهل يمكن أن تتحول سوريا من داعم سياسي للسعودية إلى طرف عسكري في الحرب؟
البيان الرسمي الذي صدر عقب لقاء الشرع وبن سلمان تحدث عن العلاقات الثنائية والتعاون بين البلدين، إضافة إلى مستجدات الأوضاع في المنطقة.
لكن هذه الصياغة الدبلوماسية المقتضبة لم تكشف طبيعة الملفات التي نوقشت خلف الأبواب المغلقة، خصوصًا أن الاجتماع تزامن مع تصعيد لافت في اليمن، وهجمات استهدفت مواقع ومنشآت داخل السعودية، في وقت تخوض فيه القوات المدعومة من الرياض معارك واسعة ضد الحوثيين.
ومن هنا بدأت المعلومات تتحدث عن احتمال بحث دور سوري في مساعدة السعودية.

بحسب تقرير لوكالة رويترز، نقلًا عن مسؤول أميركي ومسؤول عسكري سوري مطَّلِعين على الملف، فإن دمشق تدرس خيارات لتقديم مساعدة عسكرية للسعودية.
والخيارات، وفق التقرير، لا تقتصر على الدعم الدفاعي لحماية الأراضي السعودية، بل قد تصل إلى نشر قوات سورية للمساعدة إلى جانب القوات اليمنية المدعومة من الرياض في مواجهة الحوثيين.
وبحسب الرواية التي نقلتها الوكالة عن الجانب الأميركي، فإن الرياض طلبت من دمشق إرسال قوات للمشاركة في القتال.

صورة لأحمد الشرع مع قيادة جيش سوريا الحرة
التقرير الأكثر تفصيلًا جاء من موقع أكسيوس، الذي نقل عن ثلاثة مسؤولين أميركيين أن السعودية وسوريا تبحثان بالفعل احتمال نشر قوات سورية في اليمن.
ووفق المعلومات التي أوردها الموقع، فإن القوة المحتملة قد تتراوح بين 10 آلاف و20 ألف جندي، فيما أُبلغت واشنطن بالمباحثات، ولا تعارض الإدارة الأميركية الفكرة من حيث المبدأ.
لكن اللافت أن الشرع، بحسب التقرير، لم يكن قد اتخذ قرارًا نهائيًا بشأن المشاركة.
وهنا تكتسب زيارة الرياض أهمية إضافية، إذ جاءت هذه التسريبات بعد اجتماع الشرع وبن سلمان، فيما تحدثت تقارير عن طرح ملف القوات السورية خلال اللقاء.
في المقابل، سارعت دمشق إلى وضع حد لما وصفته بالتكهنات.
فقد نفى أحمد موفق زيدان، المستشار الإعلامي للرئيس السوري، أن تكون السعودية قد طلبت إرسال قوات سورية إلى المملكة أو اليمن، معتبرًا أن هذه الأنباء غير صحيحة، مع تأكيد وقوف دمشق إلى جانب السعودية وأمن الخليج.
كما أكدت وزارة الإعلام السورية أن سياسة دمشق تقوم على الاستقرار والسلام والتعاون، وليس فتح جبهات جديدة.
وبالتالي، لا يوجد حتى الآن إعلان رسمي سوري يؤكد وجود قرار بإرسال قوات إلى اليمن.

بحسب مصدر سوري لـ"ليبانوس"، فإن النفي الرسمي لا يلغي بالضرورة أهمية المعلومات التي سبقت صدوره، لكنه يضعها في إطار التسريبات والخيارات التي يجري بحثها.
ووفق المصدر، فإن المساعدة المحتملة لا تعني بالضرورة دخول الجيش السوري الحرب بشكل مباشر، إذ يمكن أن تتراوح الصيغ بين دعم دفاعي للسعودية أو مساهمة عسكرية محدودة، فيما يبقى إرسال قوات كبيرة إلى اليمن الخيار الأكثر حساسية بالنسبة إلى دمشق.
لا يؤكد المصدر أن بن سلمان طلب شخصيًا من الشرع إرسال قوات، لكنه يرى أن لدى الرياض أسبابًا لبحث هذا الخيار.
فالسعودية كانت من أبرز الداعمين للسلطة السورية الجديدة سياسيًا واقتصاديًا، وساهمت في إعادة إدماج دمشق ضمن البيئة العربية والدولية.
وفي المقابل، تحتاج القيادة السورية إلى تثبيت علاقتها بالرياض، باعتبارها قوة إقليمية أساسية يمكن أن تلعب دورًا في دعم الاقتصاد السوري وإعادة الإعمار وتوسيع هامش دمشق في علاقاتها العربية.
وبمعنى آخر، هناك شراكة ومصالح متبادلة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المقابل سيكون إرسال آلاف الجنود إلى حرب خارج الحدود.
المشكلة الأساسية بالنسبة إلى دمشق أن الجيش السوري نفسه لا يزال في مرحلة إعادة بناء بعد سنوات طويلة من الحرب.

مناطق في سوريا بعد الحرب
وأي انتشار عسكري واسع خارج الحدود قد يعني فتح باب استنزاف جديد للمؤسسة العسكرية، فضلًا عن التداعيات السياسية المحتملة لدخول سوريا مباشرة في مواجهة مع الحوثيين، المرتبطين بالمحور الإيراني.
وهذا أكثر حساسية في مرحلة تحاول فيها دمشق إعادة رسم علاقتها مع طهران، من دون العودة إلى الاصطفافات التي حكمت المرحلة السابقة.
هناك أيضًا حساسية أخرى تتعلق بطبيعة القوات السورية التي قد تشارك في أي انتشار محتمل.
فبحسب المصدر، تضم تشكيلات الجيش السوري الجديد مقاتلين إسلاميين سنة، بينما ينتمي الحوثيون إلى البيئة الزيدية في اليمن.
ومن وجهة نظر المصدر، فإن دخول قوات سورية إلى المعركة قد يضيف بُعدًا دينيًا ومذهبيًا إلى صراع معقد أصلًا، وهو ما قد يجعل القرار أكثر حساسية بالنسبة إلى دمشق.
من جهته، يقول عضو الحزب الجمهوري توم حرب لـ"ليبانوس" إن واشنطن لن تتدخل مباشرة في الصراع اليمني، لكنها ستقدم الدعم للسعودية، معتبرًا أن الأولوية الأميركية اليوم مرتبطة بالملف الإيراني، في حين تركز الرياض على الوضع اليمني.
ويضيف حرب أن إرسال وحدات سورية ذات طبيعة عسكرية محددة يبقى ممكنًا إذا اقتضت الحاجة، لكنه يؤكد أن الحديث عن ذلك لا يزال في إطار التكهنات.
في النهاية، تبدو أمام دمشق معادلة شديدة التعقيد.
المشاركة العسكرية الواسعة قد تعزز علاقتها بالرياض وتمنحها ورقة إضافية في علاقاتها الإقليمية، لكنها في المقابل تضع الجيش السوري أمام استنزاف جديد وتدخل البلاد في حرب خارج حدودها.
أما الدعم الدفاعي أو التقني أو المساعدة المحدودة، فيسمح للشرع بالحفاظ على علاقته الوثيقة بالرياض، من دون أن يتحول الجيش السوري إلى طرف مباشر في حرب اليمن.
لذلك، وبينما تتحدث رويترز وأكسيوس عن مباحثات وخيارات تصل إلى نشر آلاف الجنود، تقول دمشق إن لا قرار من هذا النوع قد اتُّخذ.
ويبقى السؤال الأساسي: هل نحن أمام صفقة إقليمية قيد البحث، أم مجرد تسريبات تُستخدم لاختبار مدى استعداد دمشق للذهاب بعيدًا في تحالفها الجديد مع الرياض؟